-
.
.
.
في الزمن القديم يكون انتشار المعلومات بطيئا جدا ويستغرق عدة أيام أو أسابيع وأحيانا أشهر، وعند سفر أحد الاشخاص فإنه ينقطع انقطاعاً تامًا عن عائلته والمجتمع الذي ينتمي إليه ولا يعلم ما يحدث من أحداث لأهله ومجتمعه. وفي زمن التطور التكنولوجي، تنتشر المعلومة والخبر بسرعة كبيرة جدا وفي نفس لحظة حدوث الحدث، وهذا ما يجعل التفاعل على هذا الخبر كبير جدا في عالم التواصل الاجتماعي.
بعض الأخبار تكون حقيقية والبعض الآخر إشاعة وبعض الأخبار مبالغًا فيها. وهنا تكمن خطورة الأمر بأن هناك من يحاول أن يستغل هذا التطور لتوجيه آراء المجتمع الى توجّه معين يخدم مصالحه، سواء كانت مصالح اقتصادية أو سياسية أو مادية أو غيرها من المصالح. منصات الأخبار تحاول تضخيم بعض الأخبار لزيادة التفاعل والزخم في الحساب وتنتشر حساباتها بين الناس بشكل سريع جدا وتكسب ماديا من هذا الخبر بالإعلانات. وفي عالم الاستثمار هناك كذلك من يحاول التأثير بالأخبار ونشر الإشاعات للتلاعب في عالم الأسهم والعالم المالي. وبعض الجهات والحكومات قد تستغل هذا أيضا للتأثير على رأي المجتمع وتحاول تأطير المجتمع وتضعه في إطار معين لا يخرج منه.
العالم مليء بالأحداث الجيدة التي نتمناها لأنفسنا، كذلك مليء بالمآسي التي نراها كل يوم على شبكات التواصل الاجتماعي. تأخذنا العاطفة أحيانا الى التعاطف مع بعض المآسي التي نراها، وبكل تأكيد نتمنى أن نمتلك تلك القدرة الخارقة التي نستطيع من خلالها تخليص جميع المستضعفين والمظلومين من مآسيهم ونعيش جميعا في سلام ووئام. للقدرة البشرية حدود، ولا نستطيع أن نحمل في قلوبنا جميع مآسي العالم ونفكر فيها، لا نستطيع أن نعطي كل تعاطفنا للجميع. وعندما ندرك هذه الحقيقة سوف ندرك بأننا لا نستطيع حل كل مآسي العالم وهذا يعيدنا الى المنطق وأنه يجب علينا تحديد أولوياتنا في تحديد من نعطيه من تعاطفنا.
عندما تأخذ جولة على برامج التواصل الاجتماعي وترى المنشورات أو تقرأ التعليقات فهناك تجد الكثير من الأشخاص يتفاعلون مع أي حدث سواء كان كبير ومؤثراً أو صغيراً لا يعني لنا شيء في حياتنا. فهناك من يشغل نفسه بهذه الأحداث وكأن هذا الحدث هو أكبر حدث في حياته ولا يوجد شيء آخر أكثر أهمية. في المقابل نرى بأن في حياته الواقعية الكثير من المشكلات التي يجب عليه حلها.
لذلك فإنه عندما نرغب في حل أي مشكلة ف يجب علينا أن نبدأ بأنفسنا قبل الغير. أنفسنا أولى بهذا التعاطف وهذه الطاقة التي نهدرها للتعاطف مع أي حدث آخر. واذا تبقى من هذه الطاقة وهذا التعاطف فنعطيه لبيتنا وأسرنا ونحاول مساعدتهم في حل مشاكلهم الحياتية. واذا تبقى شيء من هذه التعاطف فنعطيه المستضعفين في حارتنا وجيراننا ونساعدهم في محنهم. فهناك الكثير منهم لا يستطيع توفير قوت يومه ولا يستطيع دفع فواتيره ومنهم من يحتاج المساعدة في حياتهم. ومن ثم المنطقة والدولة وهكذا. واذا تبقى شيء من هذه الطاقة نعطيها لمن يستحقها بعد أن نصلح الأقربون والمجتمع.
فالعناية بشؤوننا الخاصة أولا لا تعيقنا عن مساعدة المجتمع، ولكن عندما لا نكون متزنين مع أنفسنا فإننا لا نستطيع أن نصلح المجتمع. فحل المشكلات المجتمعية يبدأ من الداخل أولا والتوازن ضروري جدا لحل أي مشكلة مجتمعية كبيرة.
القوة تكمن في الاستقرار، عندما يكون بيتنا مستقرا نكون أكثر قدرة على العطاء خارجيا.
ختاما، الاهتمام بأسرنا وأنفسنا وصحتنا النفسية وحالتنا المادية يأتي في أعلى قائمة الاهتمامات الحياتية والتي يجب أن نبدأ بها. ومساعدة الآخرين تأتي بما يتناسب مع طاقتنا دون إهمال الذات، ويجب أن نكون قدوة في مجتمعنا يقتدي بنا الصغير والكبير. فأنا بهذا لا أدعو الى الأنانية والتفكير بالنفس فقط ونسيان العالم الخارجي، بل أعتبر هذا تذكير بأن أقوى تأثير يمكن أن نقدمه للعالم يبدأ من بيوتنا وقلوبنا المستقرة.
.
.
.